أحمد بن يحيى العمري

116

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وجد لذلك الأردب مكانا من معطله ، فأنعم على الأول وشكره ، وقبض على الثاني وسمّره ، ثم لما مات وزّر الآمر المأمون بن البطائحي ، وأقامه وفوّض إليه الزعامة ، وكان هو المتقلد [ ص 61 ] بالتفويض ، وبه نجز الأمر يزجر ويغيض ، وهو يراجع في الأمر الآمر ، ويرجع إلى ما يأمر به ويستأمر ، والآمر يركب وينزل ويتصيّد ، ويتخلّى عن موضعه ويتفرّد ، وكان يتحدث في أمور ما يكون ، وما يتجدد من الحركات والسكون ، وحكى بعض من كان له به اجتماع ، أنه أراه كتابا فيه صور مصورة ، ومنيّات مختلفة ، وفيها صورته قد قتل وهو على فرس أشهب ، وألقي إلى جانب جسر أكهب « 1 » ، ثم قال لي أتعرف هذه الصورة ؟ فقلت : لا ، فقال : بل تعرف هذه الصورة ، وما أظنه إلا وقد آن الوقت ، فما مضت سنة حتى رأيت الآمر راكبا بالجيزة على فرس أشهب مارّا مع الجسر كأنه ذلك المصور ثم تفرد ، وانقطع عنه الموكب ، فخرج عليه جماعة رجال في سلاح كانوا قد اتّعدوا على قتله ، فرقبوه حتى تفرد عنه جسر الجيزة وقطعوه بأسيافهم . قال الحاكي : فجئت حتى كنت فيمن وقف عليه على تلك الصورة ، ما أخطأ منها شيئا ، وحكي أن الآمر بينا هو في موكبه قبلي بركة الحبش « 2 » ، إذ تقدّمهم ، فمرّ رجل على باب بستان له ، وحوله عبيد وموال له ، فاستسقاه ماء ، فسقاه ، فلما شرب قال : يا أمير المؤمنين ، قد أطمعتني في السؤال ، فان رأى أن يكرمني بنزوله لأضيفه ، فقال : ويحك ، معي الموكب ، فقال : وليكن يا أمير المؤمنين ، فنزل فأخرج الرجل مائة بساط ، ومائة نطع ، ومائة وسادة وفرشها ، فصارت مدّ البصر ، ثم أخرج مائة طبق بوارد ، ومائة طبق فاكهة ، ومائة جام

--> ( 1 ) الأكهب : الأغبر المشرب بسواد . ( 2 ) بركة الحبش : هي أرض في وهدة من الأرض واسعة طولها نحو ميل مشرفة على نيل مصر ، خلف القرافة ، وقف على الأشراف ، وهي من أجلّ متنزهات مصر ، وعندها بساتين تعرف بالحبش ، والبركة منسوبة إليها . ( ياقوت : بركة الحبش )